عندما تنطق الحجارة بالحق في عالم الآثار، لا تُقاس قيمة القطعة المستردة بوزنها أو مادتها، بل بالكرامة الوطنية التي تعود معها حيث أن قصة التمثال المصري الذي استعادته القاهرة من هولندا مؤخراً ليست مجرد إجراء دبلوماسي، بل هي انتصار لروح التاريخ المصري القديم على "لصوص الحضارات".

هذا التمثال، الذي يعود لمسؤول رفيع من عهد الملك "تحتمس الرابع"، عاد أخيراً ليحكي قصة وفاء دامت آلاف السنين، بعد أن ظن ناهبوه أن أثره قد ضاع في غياهب النسيان.

تفاصيل الكشف: من هو صاحب التمثال؟

التمثال الذي استردته مصر هو منحوتة فريدة من الحجر الجيري، تمثل شخصاً يدعى "نجم"، وهو مسؤول بارز كان يشغل منصب "المشرف على خيول الملك" في عهد الأسرة الثامنة عشرة، وتحديداً في فترة حكم الملك تحتمس الرابع. 

يظهر "نجم" في وضعية التعبد، حاملاً نقوشاً هيروغليفية تضرعاً للآلهة، مما يعكس المكانة الرفيعة التي كان يتمتع بها هذا الرجل في القصر الملكي المصري قبل أكثر من 3400 عام.

رحلة "النهب": كيف غادر مصر؟

بدأت المأساة في تسعينيات القرن الماضي، حين تعرضت منطقة "سقارة" الأثرية لعمليات حفر غير شرعي حيث سقط التمثال في أيدي عصابات تهريب الآثار، التي نجحت في إخراجه من البلاد بطريقة غير قانونية. 

تنقل التمثال بين عواصم أوروبية عدة، محاولاً التخفي خلف أوراق مزورة وهويات وهمية، حتى انتهى به المطاف في حوزة أحد جامعي المقتنيات في هولندا، ومن ثم عُرض في أحد المتاحف بمدينة "لايدن".

الدبلوماسية الثقافية: خيوط الأمل في هولندا

لم تكن العودة سهلة؛ فقد بدأت الخيوط تتكشف بفضل اليقظة المعلوماتية لوزارة السياحة والآثار المصرية والتعاون مع الخارجية. 

رصدت "وحدة استرداد الآثار" ظهور التمثال في قائمة بيع بأحد المعارض، وهنا بدأت معركة قانونية ودبلوماسية هادئة.

اللافت في هذه القصة هو الموقف الهولندي النبيل؛ حيث أظهرت السلطات الهولندية تعاوناً نموذجياً بمجرد تقديم مصر للأدلة التي تثبت خروج القطعة بشكل غير قانوني. 

لم تكن هناك حاجة لسنوات من التقاضي، بل كانت "عدالة التاريخ" هي المحرك الأول، حيث أقر الجانب الهولندي بحق مصر الأصيل في استعادة تراثها.

البعد الإنساني: عودة "الروح" إلى سقارة

بالنسبة للأثريين المصريين، عودة هذا التمثال هي عودة "روح" غُيبت قسراً حيثُ ففي العقيدة المصرية القديمة، تمثل هذه التماثيل "القرين" الذي يضمن الخلود لصاحبه. 

إن استعادة تمثال "نجم" هي رد اعتبار لهذا المسؤول القديم الذي أراد أن يرقد بسلام في رمال سقارة، لا أن يُعرض كسلعة في صالات المزادات الأوروبية.

هذه العودة تمنح الأمل لآلاف القطع الأخرى التي لا تزال قابعة في مخازن سرية حول العالم، وتؤكد أن "حق الحضارة لا يسقط بالتقادم".

الخلاصة: مصر تسترد ذاكرتها المفقودة

إن تسلم مصر لهذا التمثال من هولندا هو حلقة في سلسلة طويلة من النجاحات التي حققتها الدبلوماسية الثقافية المصرية في السنوات الأخيرة. 

هي رسالة لكل تجار الآثار: "مصر لا تنسى أبناءها، حتى لو كانوا من حجر".

سيوضع تمثال "مسؤول العهد" قريباً في مكانه اللائق بالمتحف المصري، ليراه الأحفاد ويقرأوا على وجهه قصة رجل خدم ملكه بصدق، وقصة دولة دافعت عن تاريخها بشرف.

خاتمة المقال: عودة تمثال "نجم" ليست نهاية المطاف، بل هي بداية لعهد جديد من التعاون الدولي لاستعادة التراث المنهوب. 

لقد أثبتت هولندا ومصر أن القيم الإنسانية المشتركة يمكنها أن تتفوق على المصالح المادية الضيقة، وأن التاريخ مكان الطبيعي هو موطنه الأصلي.

هل تعتقد أن القوانين الدولية الحالية كافية لإجبار المتاحف العالمية على إعادة كل الآثار المهربة، أم أننا بحاجة إلى "انتفاضة دبلوماسية" أوسع؟