في تطور دراماتيكي قد يغير مسار الحرب المستعرة، أعلن المتحدث الرسمي باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، عن ترتيبات نهائية لانطلاق محادثات سلام ماراثونية وشيكة وجديدة.
وفي سياق متصل فقد أكد بيسكوف أن المفاوضات ستتم بالصيغة الثلاثية التقليدية المعهودة التي تجمع بين روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا، في محاولة دولية جادة لكسر الجمود السياسي الخانق حالياً.
فجر الكرملين مفاجأة من العيار الثقيل بإعلانه أن فلاديمير ميدينسكي، وزير الثقافة الروسي السابق، هو من سيترأس الوفد الروسي المفاوض في هذه الجولة الحاسمة والمصيرية.
يعرف ميدينسكي في الأوساط السياسية بمواقفه الصلبة والمتشددة للغاية، وهو صاحب خبرة عريضة في إدارة الأزمات الكبرى، مما يعطي انطباعاً بجدية وصعوبة الموقف الروسي.
على الجانب الآخر، لم يتأخر الرد الأوكراني كثيراً، حيث أكد كبير المفاوضين الأوكرانيين، رستم عمروف، أن كييف بدأت بالفعل تحضيراتها اللوجستية والفنية للمشاركة في هذه الاجتماعات.
تحت ظلال الاغتيالات: هل ينجح الدبلوماسيون في نزع فتيل الانفجار بعد محاولة تصفية الوفد الروسي؟
تأتي هذه التحركات الدبلوماسية المتسارعة في توقيت شديد الحساسية، وبعد أسابيع قليلة من اتهامات روسية مدوية لكييف بمحاولة اغتيال نائب كبير المفاوضين الروس مطلع الشهر.
أحدثت تلك المحاولة الفاشلة زلزالاً في ثقة الأطراف المتنازعة، وأثرت بشكل مباشر وسلبي على ديناميكية التفاوض السابقة، مما جعل الأجواء الحالية مشحونة بالترقب والحذر الشديد.
في غضون ذلك، يسابق الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الزمن، حيث وصل إلى مدينة ميونيخ الألمانية في زيارة خاطفة تهدف لحشد الدعم الدولي والغربي اللازم للموقف الأوكراني.
يعقد زيلينسكي سلسلة لقاءات مغلقة وعالية المستوى مع مسؤولين أوروبيين وأمريكيين، لتنسيق المواقف والحصول على ضمانات أمنية قوية قبل الجلوس على طاولة المفاوضات مع الروس.
يرى مراقبون أن تحركات زيلينسكي في ميونيخ هي محاولة لتقوية موقفه التفاوضي، وضمان عدم ممارسة ضغوط دولية عليه لتقديم تنازلات مؤلمة تمس السيادة الوطنية الأوكرانية المطلقة.
ميدان مشتعل ومطالب تعجيزية: أوديسا تحت النيران وموسكو تشترط الانسحاب الكامل للتفاوض
بينما تتحدث الدبلوماسية في الغرف المغلقة، تواصل الآلة العسكرية الروسية عملياتها العنيفة على الأرض، حيث تعرضت مدينة أوديسا الاستراتيجية لغارات ليلية مدمرة أدت لسقوط ضحايا.
تصر موسكو على شروطها القاسية والمتمثلة في ضرورة تقديم كييف لتنازلات سياسية كبرى، والانسحاب الكامل من المناطق التي أعلنت روسيا ضمها رسمياً وعلى رأسها إقليم دونيتسك.
يعتبر الكرملين أن السيطرة على المناطق الشرقية هي حق تاريخي وأمني لا يمكن التنازل عنه، ويطالب المجتمع الدولي بالاعتراف بالواقع الجغرافي الجديد الذي فرضته الحرب.
في المقابل، ترفض القيادة الأوكرانية هذه الإملاءات جملة وتفصيلاً، وتعتبرها خرقاً صارخاً للقانون الدولي، متمسكة بحقها في استعادة كافة أراضيها المحتلة بما فيها شبه جزيرة القرم.
تشترط كييف ضرورة الحصول على ضمانات أمنية "ملموسة وناجزة" من القوى الغربية، كشرط أساسي وقبل البدء في أي إجراءات فعلية لوقف إطلاق النار أو الهدنة.
آمال معلقة على "جنيف".. هل يخرج الدخان الأبيض من وسط أنقاض الحرب الروسية الأوكرانية؟
رغم التحديات الميدانية والسياسية المعقدة التي تلوح في الأفق، لا تزال هناك بارقة أمل ضعيفة بأن تسفر محادثات جنيف القادمة عن خرق حقيقي في جدار الأزمة.
ينتظر العالم بترقب كبير نتائج هذا الاجتماع الثلاثي، آملين في الوصول إلى حل دائم وشامل يضع حداً لمعاناة المدنيين ويوقف نزيف الدماء المستمر منذ سنوات في المنطقة.
إن نجاح مفاوضات جنيف يتطلب إرادة سياسية فولاذية من جميع الأطراف، وتنازلات متبادلة قد تكون صعبة ومرة، لكنها ضرورية لتجنب انزلاق القارة الأوروبية نحو حرب شاملة.
يبقى التساؤل الكبير والمطروح في الشارع الدولي: هل ينجح ميدينسكي وعمروف في صياغة مسودة سلام أولية، أم أن لغة المدافع ستظل هي السائدة فوق كل اللغات؟
ختاماً، يظل الأردن والعالم بأسره يراقبون هذه التطورات، مع تمنيات بأن يعود الاستقرار إلى تلك المنطقة الحيوية، وأن تنتصر لغة العقل والحوار على منطق القوة والدمار.
التعليقات
سجّل الدخول لكتابة تعليق