تشكل الرسوم الجمركية التي فرضتها الولايات المتحدة على سويسرا تحدياً دائماً للاقتصاد السويسري، حيث أكدّت هيلين بودليجر أرتيدا، مديرة أمانة الدولة للشؤون الاقتصادية في سويسرا، أن البلاد يجب أن تكون مستعدة لاستمرار هذه الرسوم رغم حكم المحكمة العليا الأمريكية الأخير.
تخوض سويسرا واحدة من أعقد معاركها الدبلوماسية والاقتصادية في العصر الحديث مع شريكها التجاري الأهم وراء المحيط.
فالعلاقة بين برن وواشنطن تمر بمرحلة إعادة صياغة شاملة مدفوعة بسياسات الحمائية التجارية التي انتهجتها الإدارة الأمريكية.
لم تكن سويسرا استثناءً من العواصف الجمركية التي أطلقها الرئيس السابق دونالد ترامب، بل كانت الأكثر تضرراً في القارة العجوز.
فقد تلقت الصادرات السويسرية أعلى معدل رسوم جمركية في أوروبا، مما شكل ضغطاً هائلاً على كاهل الشركات والمصانع السويسرية.
وعلى الرغم من صدور قرار من المحكمة العليا الأمريكية بإلغاء برنامج تلك الرسوم، إلا أن شبح التصعيد لا يزال حاضراً بقوة.
فقد أعلن ترامب عن نيته فرض رسوم شاملة بنسبة 15% كرد فعل مباشر، مما يعيد عقارب الساعة إلى نقطة التوتر.
هذا التذبذب القانوني والسياسي يضع المصدرين السويسريين في حالة من عدم اليقين الدائم بشأن مستقبل نفاذهم للأسواق الأمريكية.
إنها معركة إرادات اقتصادية، تسعى فيها سويسرا للحفاظ على تنافسيتها وسط نظام عالمي يتجه نحو الانغلاق والتحوط.
دبلوماسية "برن" الهادئة: أمانة الدولة للشؤون الاقتصادية تقود دفة المفاوضات.
تحملت أمانة الدولة للشؤون الاقتصادية في سويسرا عبء التفاوض المباشر مع واشنطن لانتزاع استثناءات أو تخفيضات ممكنة.
الهدف الأساسي كان ولا يزال تقليل الأضرار الناجمة عن الرسوم المرتفعة وتجنب الانزلاق نحو حرب تجارية شاملة ومدمرة.
أثمرت هذه الجهود المكثفة عن التوصل إلى "اتفاق إطاري" في نوفمبر الماضي، اعتبره مراقبون طوق نجاة للاقتصاد السويسري.
هذا الاتفاق نجح في مواءمة الرسوم على الصادرات السويسرية لتستقر عند 15%، لتتساوى مع معدلات الاتحاد الأوروبي.
المساواة مع الجيران الأوروبيين تمنح سويسرا فرصة للتنفس، لكنها لا تنهي المخاوف المتعلقة بالتكلفة الإضافية للمنتجات.
الاتفاق الإطاري هو مجرد خطوة في طريق طويل يهدف إلى ترسيخ قواعد تجارية واضحة ومستقرة بين البلدين.
برن تدرك أن لغة الأرقام هي الوحيدة القادرة على إقناع الإدارة الأمريكية بضرورة الحفاظ على تدفقات التجارة البينية.
التفاوض ليس مجرد تبادل للسلع، بل هو بحث عن توازن دقيق بين السيادة الوطنية والارتباط بالأسواق العالمية الكبرى.
رؤية بودليجر أرتيدا: الأمن القومي كذريعة قانونية لاستمرار الرسوم.
أشارت الخبيرة بودليجر أرتيدا إلى توقعات تثير القلق بشأن استدامة الرسوم الجمركية الأمريكية في المستقبل المنظور.
فالولايات المتحدة قد لا تعتمد فقط على القرارات الرئاسية المباشرة، بل قد تلجأ إلى مخارج قانونية أكثر تعقيداً وديمومة.
الاستناد إلى "أحكام الأمن القومي" هو السلاح القانوني الذي قد تستخدمه واشنطن لتبرير استمرار الرسوم بعيداً عن أحكام المحاكم.
كما أن توجيه اتهامات بـ "الممارسات التجارية غير العادلة" يظل خياراً متاحاً لدعم السياسات الحمائية للإدارة الحالية.
هناك نية واضحة لدى الإدارة الأمريكية لتقليل العجز التجاري المزمن وتعزيز التبادل التجاري الذي يخدم المصالح المحلية أولاً.
أرتيدا تؤكد أن التوجه الأمريكي نحو "تعزيز الاستقلال الاقتصادي" سيجعل من الصعب العودة إلى عهد التجارة الحرة المطلقة.
هذا التحول في العقيدة التجارية الأمريكية يفرض على سويسرا ضرورة التكيف مع واقع جديد يسوده "تسييس الاقتصاد".
المناخ الدولي الحالي لا يرحم الدول التي تعتمد كلياً على التصدير دون وجود ضمانات قانونية واتفاقيات صلبة.
استثمارات بمليارات الدولارات: شركات سويسرا تشتري "تذكرة العبور" للأسواق الأمريكية.
بجانب المسار الدبلوماسي الرسمي، دخلت الشركات السويسرية الكبرى كلاعب أساسي في عملية تهدئة التوترات التجارية.
فقد تعهدت هذه الشركات بضخ استثمارات ضخمة تقدر بنحو 200 مليار دولار داخل الولايات المتحدة بحلول عام 2028.
هذه الخطوة الاستراتيجية تهدف إلى خلق فرص عمل محلية في أمريكا، مما يقلل من حدة الانتقادات الموجهة للعجز التجاري السويسري.
الاستثمار المباشر هو "عربون صداقة" اقتصادي يسعى لضمان معاملة تفضيلية للمنتجات السويسرية في المستقبل.
ورغم هذا الالتزام المالي الضخم، لا تزال المفاوضات مستمرة بين الطرفين لإتمام التفاصيل النهائية للاتفاق الإطاري.
هناك مهلة زمنية تنتهي بحلول نهاية مارس القادم للوصول إلى صيغة نهائية ترضي طموحات "برن" وتطلعات "واشنطن".
الشركات السويسرية تدرك أن التواجد داخل الحدود الأمريكية هو الضمانة الوحيدة لتفادي أي رسوم مستقبلية قد تفرض فجأة.
إنها عملية "مقايضة كبرى"؛ استثمارات ضخمة مقابل استقرار جمركي يضمن استمرار تدفق الساعات والأدوية والآلات السويسرية.
التحديات الراهنة: ميزان المصالح في عالم مضطرب اقتصادياً وسياسياً.
تبقى التحديات الاقتصادية والسياسية قائمة، حيث يسعى كل طرف لتحقيق أقصى استفادة من العلاقة التجارية المشتركة.
سويسرا تحاول الحفاظ على دورها كمركز مالي وصناعي عالمي، بينما تسعى أمريكا لإعادة بناء قاعدتها الإنتاجية الداخلية.
التغيرات الدولية المستمرة، من أزمات طاقة وتوترات جيوسياسية، تزيد من تعقيد المشهد التجاري بين القوتين.
العجز التجاري يظل النقطة التي تضغط عليها واشنطن باستمرار في كل جولة مفاوضات مع الشركاء الأوروبيين.
برن من جانبها، تراهن على جودة منتجاتها وتخصصها العالي كعناصر تجعل من الصعب الاستغناء عنها في السوق الأمريكية.
المستقبل سيكشف مدى قدرة "الاتفاق الإطاري" على الصمود أمام أي تغيرات محتملة في البيت الأبيض أو الكونجرس.
الهدف النهائي هو بناء علاقة "رابح-رابح" تضمن النمو الاقتصادي للبلدين بعيداً عن لغة التهديد والحروب الجمركية.
في عالم التجارة، لا توجد صداقات دائمة بل مصالح دائمة، وسويسرا تتقن فن اللعب على أوتار هذه المصالح بذكاء.
التعليقات
سجّل الدخول لكتابة تعليق