السيادة الرقمية ليس مجرد عطل فني، ولا هو مجرد ضغط على "زر الإغلاق"؛ ما يحدث في الفضاء الرقمي الإيراني هو نتاج "هندسة صمت" طويلة الأمد.

فخلف الجدران الرقمية التي عزلت نحو 93 مليون إيراني عن العالم خلال ذروة احتجاجات يناير الماضي، تقف بصمة صينية واضحة، لا تكتفي بتوفير الأجهزة، بل ترسم ملامح عصر جديد مما يسمى "السيادة السيبرانية".

كشف تقرير حديث لمنظمة "آرتيكل 19" البريطانية، أن القبضة الحديدية التي تفرضها طهران على شبكة الإنترنت ليست وليدة الصدفة، بل هي ثمرة تعاون استراتيجي امتد لعقود مع بكين. 

التقرير يشير إلى أن الصين لم تصدّر لإيران مجرد "راوترات" أو كابلات، بل صدّرت لها "فلسفة السيطرة".

من المراقبة إلى "تنميط الوجوه" تجاوز التعاون حدود حجب المواقع التقليدي؛ فشركات صينية عملاقة مثل "هواوي" و"زد تي إي" وضعت لبنات نظام "الفلترة" المتطور، بينما ذهبت شركات أخرى مثل "تياندي" و"هيكفيغن" إلى ما هو أبعد من ذلك، عبر تزويد الحرس الثوري والجيش بتقنيات "التعرف على الوجوه". 

هذه التكنولوجيا لم تعد تُستخدم لتسهيل حياة الناس، بل كما يقول الباحث "مايكل كاستر": "لقد تم تسليح التقنية المتاحة لتصبح أداة للرقابة".

عام 2010.. نقطة التحول يرى المراقبون أن عام 2010 كان "ساعة الصفر" في هذا التحول الرقمي؛ حيث قرر البلدان صياغة مفهوم خاص للإنترنت الوطني، يقطع الطريق على التدفق المعلوماتي العالمي ويجعل الدولة هي "الحارس والمراقب". 

ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل وصل إلى الاعتماد على نظام الملاحة الصيني "بايدو" كبديل لنظام الـ "GPS" الأمريكي، لضمان استقلالية كاملة حتى في تحديد المواقع.

حياة خلف "الفلتر" اليوم، لم يعد الإنترنت في إيران إلى سابق عهده، حتى بعد هدوء الشوارع حيثُ يعيش الإيرانيون في نظام "الوصول المتقطع"، حيث تخضع كل نقرة على لوحة المفاتيح لعين الرقيب التي تدربت على يد خبراء بكين.

إنها قصة تحالف لم يكتفِ ببناء الجسور البرية والبحرية، بل بنى "سياجاً رقمياً" يحول دون وصول صوت الداخل إلى الخارج، مما يطرح سؤالاً جوهرياً: هل نعيش بداية عصر "الإنترنتات المنغلقة" حيث تقرر كل دولة ما يراه وما يسمعه مواطنوها؟