في خطوة استراتيجية تهدف إلى إعادة هيكلة وتعزيز كفاءة القطاع المالي غير المصرفي، أصدر السيد رئيس الجمهورية القرار رقم 116 لسنة 2026 بتعيين الدكتور إسلام عزام رئيساً لمجلس إدارة الهيئة العامة للرقابة المالية.

بهذا التكليف الرفيع، يصبح الدكتور عزام الشخصية السادسة التي تتربع على عرش قيادة هذه الهيئة السيادية منذ تأسيسها التاريخي بموجب القانون رقم 10 لسنة 2009، ليحمل على عاتقه ملفات اقتصادية شائكة ومصيرية.

توقيت التعيين يعكس رغبة الدولة في ضخ دماء جديدة تمتلك مزيجاً من الخبرة الأكاديمية والواقعية الميدانية، خاصة في ظل التحديات العالمية التي تفرض ضرورة وجود رقيب مالي يتمتع بمرونة تشريعية وفكر ابتكاري.

القرار قوبل بترحيب واسع في أوساط مجتمع المال والأعمال، حيث يُنظر إلى عزام باعتباره "رجل المرحلة" القادر على تحقيق التوازن الدقيق بين الرقابة الصارمة وتحفيز الاستثمار في الأسواق غير المصرفية.

الهيئة تحت قيادته الجديدة تستعد لفتح ملفات التحول الرقمي المالي، وتوسيع قاعدة المستفيدين من الخدمات المالية غير المصرفية، مما يمهد الطريق لمرحلة من النمو المستدام والاستقرار المؤسسي.

السيرة الذاتية الذهبية: من أروقة البورصة إلى رئاسة الهيئة.. رحلة صعود مهنية ملهمة

يمتلك الدكتور إسلام عزام سجلًا حافلاً وخبرات عابرة للقارات في مجال الأسواق المالية، حيث لم يأتِ تعيينه من فراغ بل نتيجة مسيرة مهنية مرصعة بالنجاحات في أعلى المناصب القيادية داخل الدولة.

عزام شغل منصب رئيس البورصة المصرية خلال النصف الثاني من عام 2025، وهي الفترة التي شهدت تحولات جوهرية في آليات التداول، كما عمل نائباً لرئيس الهيئة العامة للرقابة المالية لفترة تمتد لأكثر من أربع سنوات.

تدرجه الوظيفي شمل مناصب حساسة مثل مستشار رئيس هيئة التمويل العقاري ومساعد رئيس الهيئة العامة لسوق المال، مما منحه رؤية بانورامية شاملة لكافة تفاصيل القطاع المالي وكواليسه التنظيمية.

هذه الخبرات المتراكمة تجعل منه خبيراً "تكنوقراطياً" بامتياز، قادراً على فك شفرات الأزمات المالية المعقدة ووضع الحلول الاستباقية التي تضمن حماية حقوق المتعاملين واستمرارية كفاءة الأسواق.

الوسط المالي يراهن على أن "خلفية البورصة" التي يمتلكها عزام ستساهم بشكل كبير في تنشيط أدوات سوق المال، وطرح منتجات تمويلية جديدة تلبي احتياجات الشركات الناشئة والكبرى على حد سواء.

بصمات تشريعية: كيف أعاد عزام رسم ملامح "التأمين الموحد" وقواعد بازل 3 في مصر؟

لم تكن مسيرة إسلام عزام مجرد شغل مناصب، بل كانت حافلة بالإسهامات الملموسة في تطوير الإطار التنظيمي للقطاع، لاسيما دوره المحوري في صياغة وتنفيذ قانون التأمين الموحد رقم 155 لسنة 2024.

ساهم عزام بفعالية في تحسين المناخ التنظيمي لقطاع التأمين، حيث أشرف على إصدار قرارات تنفيذية تاريخية، منها زيادة الحد الأدنى لرؤوس أموال شركات التأمين لتعزيز قدرتها على مواجهة المخاطر الكبرى.

أحد أبرز إنجازاته المهنية هو البدء في تطبيق "قواعد بازل 3" على أنشطة التمويل غير المصرفي، وهي خطوة وضعت المعايير المصرية على قدم المساواة مع المعايير الدولية من حيث الملاءة المالية والحوكمة.

كما كان له دور بارز في تنظيم أنشطة التأجير التمويلي والتخصيم، وهي الأدوات التي شهدت طفرة كبيرة بفضل الأطر الرقابية التي ساهم في وضع لبناتها الأولى خلال سنوات خدمته السابقة كفرد في الفريق القيادي للهيئة.

هذه البصمات التشريعية تعد رصيداً قوياً له في ولايته الجديدة، حيث يتوقع منه استكمال ثورة التحديث التشريعي بما يواكب التطورات التكنولوجية المتسارعة في مجالات الـ "FinTech" والتمويل الأخضر.

العمق الأكاديمي: دكتوراه من كاليفورنيا وأستاذية الجامعة الأمريكية تدعم القرار المالي

يجمع الدكتور إسلام عزام بين صرامة المسؤول التنفيذي وعمق الباحث الأكاديمي، فهو أستاذ التمويل المرموق بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، حيث ترأس قسم الدراسات العليا لفترة طويلة، مخرجاً أجيالاً من الكوادر المالية.

تسلحه العلمي بدأ بالحصول على درجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة كاليفورنيا – إيرفين العريقة، بالإضافة إلى دبلومة متخصصة في التمويل العقاري من جامعة بنسلفانيا، مما يجعله مرجعية علمية دولية في تخصصه.

رحلته الأكاديمية بدأت من الماجستير في الاقتصاد من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، ليمزج في فكره بين النظريات الاقتصادية الحديثة والواقع العملي للأسواق الناشئة مثل السوق المصري.

هذا التكوين الأكاديمي الرفيع يمنح قراراته الرقابية صبغة من الدقة والمنطق العلمي، حيث يميل دائماً إلى الاعتماد على الدراسات والبيانات التحليلية قبل إصدار التشريعات أو القواعد المنظمة.

تمثيل عزام لمصر في المحافل الدولية الأكاديمية والمالية عزز من مكانته كخبير دولي، وهو ما سيعود بالنفع على الهيئة في تعاونها مع المنظمات الدولية مثل "IOSCO" وغيرها من جهات الرقابة العالمية.

استراتيجية الولاية الجديدة: تحديث التشريعات وضمان شفافية الأسواق المالية

تأسست الهيئة العامة للرقابة المالية لتكون الحارس الأمين على الأسواق غير المصرفية، واليوم مع بداية فترة ولايته، يعبر الدكتور إسلام عزام عن التزامه الكامل بتحقيق نقلة نوعية تليق بطموحات الدولة المصرية.

ترتكز استراتيجية عزام المرتقبة على تحديث الأطر التشريعية والتنظيمية لتكون أكثر مرونة وجذباً للاستثمارات المحلية والأجنبية، مع الحفاظ على أعلى معايير الشفافية والنزاهة داخل الأسواق.

الهيئة تحت قيادته ستولي اهتماماً خاصاً باستقرار الأسواق المالية وحماية حقوق المستثمرين الصغار والكبار، من خلال تطوير أدوات الرقابة الإلكترونية والتدخل الاستباقي لمنع حدوث أي هزات مالية.

يرى عزام أن قطاع الرقابة المالية يجب أن يكون محركاً للتنمية الاقتصادية وليس مجرد جهة رقابية جامدة، ولذلك يسعى لتسهيل إجراءات التمويل غير المصرفي لدعم المشروعات القومية والخاصة.

في الختام، يدخل الدكتور إسلام عزام مقر الهيئة وهو يحمل طموحات عريضة، واعداً بتحويل التحديات الراهنة إلى فرص للنمو، لتظل الرقابة المالية هي الحصن المنيع والداعم الأساسي للاقتصاد الوطني المصري.