في ظل تصاعد أعمدة الدخان التي تغطي سماء لبنان، شارك العماد جوزيف عون في لقاء افتراضي عالي المستوى عبر تقنية "زووم" مع كبار القادة والمسؤولين في الاتحاد الأوروبي.

اللقاء لم يكن مجرد مشاورات دبلوماسية عابرة، بل كان جلسة استماع طارئة لتسليط الضوء على التحديات الوجودية التي تواجه الدولة اللبنانية في ظل الاعتداءات الإسرائيلية الوحشية الأخيرة.

العماد عون قدم جردة حساب دقيقة للواقع الميداني، محذراً من أن الأوضاع قد تؤول إلى كارثة إقليمية كبرى إذا لم يتحرك المجتمع الدولي فوراً لوقف نزيف الدماء في الجنوب والبقاع.

القيادة العسكرية اللبنانية سعت من خلال هذا التواصل الرقمي إلى كسر الحصار السياسي، وإيصال صوت المؤسسة العسكرية التي تقف وحيدة في مواجهة تداعيات حرب لم يخترها الشعب اللبناني.

الأوروبيون استمعوا بتركيز شديد لرؤية القائد الذي يحظى بثقة دولية واسعة، خاصة وأن الجيش اللبناني يمثل اليوم الخيط الرفيع المتبقي لمنع انزلاق البلاد نحو حرب أهلية أو انهيار مؤسساتي شامل.

فخ الفوضى: العماد عون يكشف أبعاد استدراج الاجتياح الإسرائيلي للداخل اللبناني

خلال اللقاء، أطلق العماد جوزيف عون تصريحات نارية وصادمة، مؤكداً أن عمليات إطلاق الصواريخ من الأراضي اللبنانية باتجاه إسرائيل لم تكن في جوهرها إلا "فخاً" محكماً لإغراق البلاد.

القائد أوضح بمرارة أن هذه الأعمال العسكرية غير المنسقة تهدف لجر لبنان إلى دوامة فوضى عارمة، مشيراً إلى أنها لم تحقق أي مكاسب استراتيجية سوى تعريض الشعب لأخطار وجودية مميتة.

العماد عون كشف أن الهدف الحقيقي من هذا التصعيد هو "استدراج" الجيش الإسرائيلي للقيام باجتياح بري واسع للداخل اللبناني، مما قد يحول القرى والمدن الآمنة إلى ساحات معارك مشتعلة.

هذا التحليل العسكري يعكس قلق القيادة من تحول لبنان إلى "صندوق بريد" لتوجيه الرسائل الإقليمية، بينما يدفع المواطن اللبناني البسيط الثمن من حياته وممتلكاته وأمنه واستقراره المفقود منذ سنوات.

عون شدد على أن الجيش اللبناني يرفض أن يكون مجرد شاهد زور على تدمير البلاد، داعياً إلى ضرورة العودة إلى كنف الدولة والالتزام بالقرارات الدولية التي تحمي السيادة اللبنانية من الانتهاكات.

جحيم النزوح: مأساة 600 ألف لبناني يواجهون الموت جوعاً وبرداً تحت القصف

أعرب العماد جوزيف عون عن قلقه العميق والحاد حيال الوضع الإنساني المتدهور الذي وصل إلى مستويات غير مسبوقة من البؤس، حيث أشار إلى وجود أكثر من 600 ألف نازح لبناني.

هؤلاء النازحون، الذين فروا من جحيم القصف في الجنوب والضاحية والبقاع، يعانون اليوم من نقص حاد في أبسط مقومات الحياة الأساسية من طعام وماء ودواء ومأوى لائق يحميهم.

الأرقام التي ساقها قائد الجيش كانت مرعبة، حيث أشار إلى سقوط مئات الضحايا وآلاف الجرحى خلال الأيام القليلة الماضية، مما وضع القطاع الصحي المنهك أصلاً أمام تحديات تفوق قدراته البشرية.

الوضع الإنساني بات يشكل "قنبلة موقوتة" قد تنفجر في أي لحظة، خاصة مع انتشار المخيمات العشوائية وحالة اليأس التي تسيطر على العائلات التي فقدت منازلها ومصادر رزقها في لمح البصر.

العماد عون ناشد الضمير الأوروبي للتحرك الإنساني الفوري، مؤكداً أن المساعدات العينية والطبية يجب أن تتدفق دون قيود لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أرواح المدنيين الأبرياء العالقين في أتون الصراع.

نداء الاستغاثة الأخير: عون يطالب بهدنة شاملة ونزع سلاح المجموعات غير الحكومية

وجه العماد عون نداءً مدوياً للعالم أجمع لدعم مبادرة وطنية تهدف لإرساء هدنة كاملة وفورية مع إسرائيل، ووقف كافة أشكال الاعتداءات البرية والجوية والبحرية التي تنتهك السيادة اللبنانية.

المبادرة التي طرحها قائد الجيش تتضمن تعزيز الدعم اللوجستي والمادي للجيش اللبناني لتمكينه من الانتشار الواسع على الحدود، وفرض سلطة القانون والشرعية الدولية في كافة المناطق اللبنانية.

العماد عون شدد على نقطة جوهرية وحساسة، وهي ضرورة "نزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية"، معتبراً أن وجود السلاح خارج إطار الدولة هو العائق الأكبر أمام استقرار الأوضاع وحماية لبنان.

القائد يرى أن حصر السلاح بيد الجيش هو الممر الإلزامي الوحيد لاستعادة الثقة الدولية في لبنان، ولضمان عدم تكرار سيناريوهات الحروب العبثية التي تُفرض على اللبنانيين من خارج مؤسساتهم الشرعية.

هذا الموقف الجريء لاقى أصداءً واسعة في الأوساط الأوروبية، حيث يُنظر إلى العماد عون باعتباره الشخصية القادرة على قيادة مرحلة انتقالية تضمن الأمن والاستقرار الدائم في بلاد الأرز.

دبلوماسية السلام المفقودة: لبنان يجدد تضامنه العربي ويشيد بالموقف القبرصي الداعم

أشار العماد جوزيف عون بأسى إلى محاولاته السابقة والدؤوبة لتحقيق سلام عادل ودائم، والتي تضمنت مقترحات عملية للانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة مقابل سيطرة أمنية كاملة للجيش.

تلك المقترحات، التي كانت تهدف لنزع فتيل التوتر الحدودي بشكل نهائي، لم تلقَ حتى الآن التجاوب المطلوب من الأطراف المعنية، مما أبقى المنطقة في حالة استنفار قتالي دائم ومستنزف للقدرات.

وفي لفتة قومية، أكد عون مجدداً تضامن لبنان الكامل مع الدول العربية الشقيقة التي تعرضت لاعتداءات غادرة مؤخراً، مشدداً على أن المصير العربي مشترك في مواجهة الأطماع التوسعية والاعتداءات الخارجية.

كما خص قائد الجيش الدولة الجارة "قبرص" بإشادة خاصة، مثمناً الدعم اللوجستي والإنساني الذي تقدمه نيقوسيا في هذه الظروف الحرجة، مما يعكس عمق الصداقة والتعاون بين البلدين المتوسطيين في الأزمات.

واختتم عون لقاءه بالتأكيد على أن الحاجة ملحة الآن، وأكثر من أي وقت مضى، للوصول إلى حلول سياسية وأمنية دائمة بمساعدة المجتمع الدولي، قبل أن يخرج الوضع في الشرق الأوسط عن السيطرة تماماً.