بين القاهرة وموسكو في اللحظات التي تشتد فيها وتيرة الصراعات الإقليمية، وتصبح لغة السلاح هي الأعلى صوتاً، تبرز "لقاءات الظل" كبوصلة حقيقية لاتجاهات الأحداث.
لم يكن استقبال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لسيرغي ناريشكين، رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الروسية، مجرد بروتوكول دبلوماسي عابر، بل كان مشهداً سياسياً بامتياز، يحمل في طياته ملفات معقدة تتجاوز حدود الجغرافيا المباشرة للدولتين، لتلامس قلب الأمن القومي في الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية على حد سواء.
كواليس اللقاء: لماذا الآن؟
توقيت الزيارة يطرح تساؤلات تفوق في أهميتها تفاصيل البيان الرسمي ، والأن نحن نعيش في مرحلة "السيولة السياسية"، حيث التحالفات القديمة تُختبر، والتهديدات الجديدة تتشكل بسرعة البرق.
حضور ناريشكين إلى القاهرة، وهو الرجل الذي يمثل "عقل موسكو المعلوماتي"، يعكس إدراكاً روسياً متزايداً بأن مصر ليست مجرد لاعب إقليمي، بل هي "صمام أمان" لا يمكن تجاوزه عند الحديث عن استقرار حوض المتوسط والشرق الأوسط.
اللقاء الذي حضره اللواء حسن رشاد، رئيس المخابرات العامة المصرية، يعطي دلالة واضحة على أن المحادثات انتقلت من حيز التنسيق السياسي العام إلى حيز "التنسيق الاستخباراتي العملياتي".
في الغرف المغلقة، لا تُبادل الابتسامات فقط، بل تُبادل الخرائط، وتُحلل التهديدات، وتُناقش سيناريوهات "ماذا لو؟" التي تؤرق صانع القرار في كلا البلدين.
مكافحة الإرهاب.. المعركة التي لا تنتهي
لطالما كان التعاون الأمني بين القاهرة وموسكو حجر الزاوية في علاقتهما التاريخية، ولكن في هذا اللقاء، اتخذ الحديث عن الإرهاب منحىً أكثر إلحاحاً.
ومع تزايد التوترات في مناطق النزاع القريبة، وتصاعد وتيرة تحركات الجماعات المسلحة في بؤر التوتر، يبرز التنسيق المعلوماتي كضرورة حتمية.
مصر، بخبرتها الطويلة والمريرة في مكافحة الإرهاب العابر للحدود، تمثل لموسكو شريكاً يمتلك "مفاتيح الفهم" لطبيعة الأرض والمنظمات في المنطقة. وفي المقابل، توفر روسيا تقنيات مراقبة ومعلومات استخباراتية فضائية وميدانية من جبهات أخرى، مما يخلق نوعاً من "التكامل المعلوماتي" الذي يهدف إلى تجفيف منابع التمويل وقطع طرق الإمداد قبل أن تصل الشرارات إلى الأراضي المصرية أو المصالح الروسية.
غزة ولبنان.. والبحث عن مسار للتهدئة
لا يمكن لعاقل أن يتصور لقاءً بهذا المستوى دون أن تتصدر الأزمة في قطاع غزة والعدوان على لبنان المشهد فأن القاهرة، التي تواصل دورها التاريخي كـ "وسيط نزيه" ومحوري، تدرك أن الضغط الدولي يحتاج إلى توازن، وهنا يأتي الدور الروسي.
روسيا، كقوة عظمى تمتلك حق الفيتو، تبحث دائماً عن موطئ قدم في ملفات التسوية بالشرق الأوسط، ومصر هي البوابة الشرعية لهذا التواجد.
ناقش الطرفان بوضوح ضرورة الوصول إلى وقف فوري لإطلاق النار، وضمان نفاذ المساعدات الإنسانية ، ولكن ما وراء الكلام الدبلوماسي، هناك رغبة مشتركة في منع "انفجار الشرق الأوسط" الشامل؛ فموسكو المنشغلة بجبهاتها في أوكرانيا، لا تريد حريقاً كبيراً في المتوسط يبعثر أوراقها، والقاهرة ترفض تصفية القضية الفلسطينية على حساب أمنها القومي أو من خلال التهجير القسري.
التوازن الاستراتيجي في عالم متعدد الأقطاب
يعكس هذا اللقاء أيضاً فلسفة "التوازن الذكي" التي تنتهجها الإدارة المصرية ، وفي الوقت الذي تحافظ فيه القاهرة على علاقات استراتيجية مع واشنطن، هي لا تغلق الأبواب أمام موسكو، بل تفتحها على مصراعيها في المجالات التي تخدم مصلحتها الوطنية.
الرئيس السيسي، في استقباله لناريشكين، يبعث برسالة مفادها أن مصر تمتلك سيادتها في اختيار شركائها الأمنيين.
السيادة هنا ليست مجرد شعار، بل هي قدرة على الجلوس مع الجميع وضمان ألا تكون المنطقة ساحة لتصفية حسابات القوى الكبرى، بل ساحة لبناء الاستقرار المشترك.
الملف الليبي والسوداني.. أمن الجوار تحت المجهر
تظل ليبيا والسودان بمثابة "الجرح المفتوح" على الخاصرة المصرية ، وروسيا، بتواجدها وتأثيرها في الملف الليبي، تمتلك أوراقاً قوية يمكن أن تسهم في حلحلة الانسداد السياسي هناك.
جرى خلال اللقاء التأكيد على ضرورة خروج القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا، وهو المطلب المصري الثابت لضمان وحدة الأراضي الليبية.
أما في السودان، فإن التنسيق المصري الروسي يسعى لإيجاد صيغة تمنع تحول هذا البلد الشقيق إلى دولة فاشلة، مما قد يفتح أبواب الجحيم من الهجرة غير الشرعية وتدفق السلاح إلى دول الجوار. الرؤية المصرية الروسية تتلاقى في نقطة "مركزية الدولة الوطنية" ورفض التدخلات الخارجية التي تذكي نيران الحروب الأهلية.
الاقتصاد خلف الستار الأمني
رغم أن اللقاء ذو طابع استخباراتي، إلا أن الاقتصاد دائماً ما يحضر في “حقيبة المهام” ، فأن المشاريع الكبرى مثل محطة الضبعة النووية والمنطقة الصناعية الروسية في قناة السويس، تحتاج إلى "مظلة أمنية" وحماية استخباراتية ضد أي محاولات تخريب أو ضغوط دولية تهدف لعرقلة هذا التعاون.
استقرار هذه المشاريع هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، وموسكو تنظر لهذه الاستثمارات باعتبارها "جسوراً جيوسياسية" طويلة الأمد.
خاتمة: الشراكة في زمن العواصف
إن لقاء الرئيس السيسي برئيس الاستخبارات الروسية ليس مجرد خبر يتصدر النشرات، بل هو إعلان عن استمرار "الشراكة الاستراتيجية" التي صمدت أمام تحولات دولية كبرى.
هي رسالة طمأنة للداخل، ورسالة حذر للخارج، مفادها أن القاهرة وموسكو تراقبان المشهد عن كثب، ولن تسمحا بأن تُترك المنطقة لرياح الفوضى دون ضوابط.
في نهاية المطاف، يبقى "لقاء مسقط" و"لقاء القاهرة" و"تحركات موسكو" خيوطاً في نسيج واحد، يحاول رسم خارطة طريق لشرق أوسط أكثر استقراراً، في وقت يبدو فيه الاستقرار وكأنه "عملة نادرة" في سوق السياسة الدولية.
التعليقات
سجّل الدخول لكتابة تعليق