بين عبق الماضي وطموح الحاضر.. معهد الشارقة للتراث يرسم لوحة الوفاء للأجداد، والذيد تتحول إلى وجهة عالمية للاحتفاء بالهوية الإماراتية الأصيلة.

في مشهدٍ مهيب يجسد أسمى معاني الوفاء للموروث الشعبي، وتحت رعاية كريمة تعكس رؤية إمارة الشارقة كعاصمة عالمية للثقافة، انطلقت فعاليات "أيام الشارقة التراثية" في مدينة الذيد، لتقدم مشهداً استثنائياً لم تشهده المنطقة الوسطى من قبل. لم يكن الحدث مجرد احتفال عابر، بل كان "زلزالاً ثقافياً" أعاد إحياء الذاكرة الجمعية لشعب الإمارات، مؤكداً أن الحداثة التي تعيشها الدولة لا يمكن أن تنسيها جذورها الضاربة في أعماق التاريخ.

منذ اللحظات الأولى لانطلاق الفعاليات، تحولت مدينة الذيد إلى خلية نحل، حيث تقاطرت الوفود والآلاف من الزوار من مختلف إمارات الدولة ومن خارجها، ليشهدوا تجربة حية تدمج بين الأصالة والابتكار، في تظاهرة تعزز قيم الهوية والولاء والانتماء.

مشاركة واسعة: طوفان بشري في حضرة التراث

لقد تجاوز الحضور الجماهيري كل التوقعات، حيث ضاقت الساحات بآلاف الزوار الذين جاءوا ليروا كيف عاش الأجداد وكيف صمدت الهوية الإماراتية عبر العصور.

عروض الفنون الشعبية: أهازيج تلامس السماء

لم تكن العروض الشعبية مجرد رقصات أو أهازيج، بل كانت رسائل فنية مشفرة تحكي قصص الصيد، الغوص، والترحال في الصحراء. من "العيالة" إلى "الرزيف"، تفاعل الجمهور بحماس منقطع النظير، حيث شارك الصغار الكبار في أداء هذه الفنون، مما يؤكد نجاح الهدف الأسمى للفعالية: نقل الشعلة من جيل إلى جيل.

الحرف اليدوية: ملاحم الصبر والإبداع

في زوايا المهرجان، استعرض الحرفيون مهاراتهم في "السدو"، "الخوص"، وصناعة الفخار، محولين المواد الخام البسيطة إلى تحف فنية تنطق بالجمال. هذه الورش لم تكن للعرض فقط، بل كانت منصات تعليمية حية، حيث وقف الأطفال والشباب ليتعلموا بأيديهم كيف كان أجدادهم يصنعون أدوات حياتهم اليومية بصبرٍ وجلد، مما خلق حالة من التواصل الوجداني بين الماضي والحاضر.

معهد الشارقة للتراث - فرع الذيد: العقل المدبر لحفظ الهوية

يقف خلف هذا النجاح المنقطع النظير "معهد الشارقة للتراث - فرع الذيد"، الذي وضع استراتيجية دقيقة تهدف إلى صون التراث الوطني وتعزيز حضوره في المشهد الثقافي المعاصر.

إبراز الخصوصية التاريخية للمنطقة الوسطى

تتمتع المنطقة الوسطى في إمارة الشارقة، وخاصة مدينة الذيد، بخصوصية اجتماعية وتاريخية فريدة، فهي ملتقى القوافل ورمز للواحات الخضراء والكرم العربي الأصيل. وقد نجح المعهد في إبراز هذه الخصوصية من خلال:

  • تصميم الأجنحة: التي تحاكي البيوت القديمة والأسواق التاريخية للمنطقة.
  • المجالس التراثية: التي استضافت كبار المواطنين لسرد القصص والروايات الشفهية، وهي مادة تاريخية لا تقدر بثمن.
  • المعارض المتخصصة: التي عرضت مقتنيات نادرة تعود لحقب زمنية مختلفة، تبرز تطور الحياة في الشارقة.

التفاعل مع الماضي والحاضر: منصة تجمع الأجيال

إن ما يميز "أيام الشارقة التراثية" في الذيد هو قدرتها على كسر الحاجز الزمني. فلم يعد التراث مجرد "متحف صامت"، بل أصبح "واقعاً حياً" يتفاعل معه الجميع.

برامج الأطفال: بذور الانتماء

تم تخصيص مساحة واسعة للفعاليات الموجهة للأطفال، شملت مسابقات تراثية، ورسم، وألعاب شعبية كادت أن تندثر. الهدف هنا واضح وعميق: زرع بذور الانتماء في التربة الخصبة لعقول الجيل الجديد. عندما يمارس الطفل "الألعاب الشعبية" بدلاً من الألعاب الإلكترونية ولو لساعات، فإنه يستعيد جزءاً من هويته الفطرية.

المسابقات الثقافية: إثراء المعرفة

لم تخلُ الفعاليات من الجانب المعرفي، حيث أقيمت مسابقات ثقافية كبرى طرحت أسئلة حول تاريخ الإمارات، حكامها، وإنجازاتها. هذه المسابقات خلقت أجواءً من الحماس والمنافسة الشريفة، وساهمت في رفع مستوى الوعي الثقافي لدى الجمهور.

الشارقة: عاصمة عالمية للتراث والإنسانية

إن هذا الاهتمام الكبير ليس وليد الصدفة، بل هو ترجمة لتوجيهات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، الذي جعل من الثقافة والتراث حجر الزاوية في بناء المجتمع.

الالتزام بالابتكار التراثي

تؤكد إمارة الشارقة اليوم التزامها المطلق بالحفاظ على موروثها، ولكن بصورة مبتكرة. فالأيام التراثية تستخدم اليوم أحدث التقنيات لعرض التاريخ، مما يجعل المعلومة التاريخية "جذابة" و"عصرية" تتناسب مع متطلبات الحاضر دون المساس بجوهر الماضي.

تحليل أعمق: لماذا نحتاج للتراث اليوم أكثر من أي وقت مضى؟

في ظل العولمة المتسارعة وتداخل الثقافات، يصبح التراث هو "البوصلة" التي تحمي المجتمع من التيه الثقافي.

  1. الأمن الثقافي: الحفاظ على التراث هو نوع من أنواع الأمن القومي، فالمجتمع الذي لا يعرف تاريخه لا يمكنه بناء مستقبله.
  2. السياحة الثقافية: مثل هذه الفعاليات تضع الذيد والشارقة على خريطة السياحة العالمية كوجهة رائدة لمحبي الاستكشاف والتاريخ.
  3. الترابط الاجتماعي: التراث هو الجامع المشترك الذي يوحد جميع فئات المجتمع تحت راية واحدة هي "الهوية الوطنية".

خاتمة: الذاكرة الحية التي لا تموت

إن فعاليات أيام الشارقة التراثية في مدينة الذيد ليست مجرد حدث ينتهي بانتهاء أيامه، بل هي "طاقة متجددة" تضخ في عروق المجتمع قيم الكرامة والاعتزاز بالأصل. لقد أثبتت الشارقة للعالم أجمع أن التراث ليس عبئاً من الماضي، بل هو وقود للمستقبل.

ستبقى الذيد شاهدة على هذه الملحمة التراثية، وسيبقى معهد الشارقة للتراث الحارس الأمين لذكرى الأجداد، لتبقى إمارة الشارقة منارةً تشع بالثقافة وواحةً يستظل بظلها كل من يبحث عن الأصالة والجمال.